حسن الأمين

283

مستدركات أعيان الشيعة

وفي الموعد المحدد يلتقي الرجال في مكان من منزل ( العروس ) . ويمضي ( فقيه ) القرية أو عالمها متصدرا المجلس . وإذا كان أهل العريس على شيء من الوجاهة لم يقنعوا بالفقيه أو العالم المحلي وإنما يستدعون المرجع الكبير في البلاد . ولم تكن ( شقرا ) تستدعي أحدا لأن المرجع كان فيها دائما وكان يدعى إلى غيرها من المدن والقرى . وبعد أن يكتمل الجمع يدعى الفقيه من بين الرجال للذهاب إلى الغرفة الموجودة فيها ( العروس ) مع أهلها وأترابها والمدعوات من نساء القرية ، ويرافقه أقرباء العروس كاعمامها وأخوالها أو غيرهم وهناك يجلس وحده مقابل العروس محاطا بالأقرباء وقوفا . ثم يبدأ بالطلب إليها أن توكله بإجراء عقدها . ويكون الطلب بصيغة معينة تنتهي عادة بقوله : ( فان كنت راضية فقولي نعم ) . وربما استبدل كلمة : ( فقولي أنت وكيلي ) بكلمة : ( فقولي نعم ) . وهنا تبدأ مسرحية طريفة : فبالرغم من أن الفتاة تكون على أحر من الجمر في انتظار هذه اللحظات لتصبح قرينة لمن تحب ، وبالرغم من أنه لم يعد من كلفة بينها وبين الفتى المنشود ، فإنه لا بد من إظهار الدلال والتمنع والتظاهر بالخجل وعدم التسرع . فيظل السؤال بدون جواب ويرين الصمت على الفتاة . فيعاد السؤال من جديد ولكن لا جواب . . ويعاد السؤال للمرة الثالثة . وقبل أن يطرح هذه المرة تنبه الفتاة إلى أن هذه هي آخر مرة ، وأن عليها الآن أن تجيب . وبالفعل فإنها تجيب بنعم ، سواء كان السؤال مطروحا عليها بشكل : ( فقولي : أنت وكيلي ) أو بشكل : ( فقولي : نعم ) . لأن ( نعم ) أكثر اختصارا وأقل كلفة . على أن بعض الفتيات ترفض أحيانا أن تجيب عند طرح السؤال عليها لثالث مرة ، وتظل مصرة على الصمت حتى المرة الخامسة . . . وعند ما تلفظ كلمة ( نعم ) يكون على باب المنزل حامل بندقية صيد فما أن يقال له : ( وكلت ) حتى يطلق البندقية في الهواء معلنة لسكان القرية أجمعين أن ( التوكيل ) قد حصل . ثم ينتقل ( الوكيل ) مع صحبه إلى مجلس الرجال . وهنا إما أن يطلب إلى ( العريس ) أن يوكل أحدا عنه ، أو أن يتولى هو الإجابة بنفسه ، ردا على صيغة العقد بقوله : ( قبلت ) . ومع أن لفظ ( زوجتك ) هو وحده كاف لإتمام الزواج ، فان العاقدين يضيفون على هذه الصيغة صيغا عديدة بألفاظ مختلفة ولكنها لا تخرج في الحقيقة عن مفهوم الصيغة الأولى . ويختم العاقد صيغة الإيجاب والقبول بقوله : ( مبارك إن شاء الله ) . إيذانا بانهاء كل شيء . وهنا ينطلق البارود للمرة الثانية . . . ويقبل العريس يد الفقيه العاقد . ثم يدور على الحاضرين فيقبل أيدي الشيوخ منهم ويصافح غيرهم أو يقبلهم ويقبلونه . . . ومن طريف ما حدث في مناسبة من هذه المناسبات أن قرويا ينظم الشعر قد أحب فتاة فلم يوفق للزواج بها فكان مما قاله واصفا حاله هذا البيت : عشية أصغت للعذول مطيعة وقالت لشيخ السوء ( أنت وكيلي ) وعند ما يقبل الليل تقام الأفراح مستمرة ثلاث ليال ، تعقد في كل ليلة فيها حفلة ( الدبكة ) صاخبة ضاجة ، تضرب الأقدام بها الأرض على نفخات ( المجوز ) أو ( الشبابة ) ضربا قويا عنيفا متماديا ويشترك في الحفلة الواحدة فتيان القرية وفتياتها معا ولكن لا مختلطين ، بل يشكل الفتيان قوسا في الحلقة والفتيات قوسا آخر يرتبطان معا بفتاة بأول قوس الفتيات وبفتى باخر قوس الفتيان هما وحدهما اللذان تتشابك أصابع يديهما معا في مسيرة الحلقة المتواصلة . أما بقية الأيدي ، فأصابع الفتى تتشابك مع أصابع الفتى وأصابع الفتاة مع أصابع الفتاة . . . وأعذب ما في الدبكة حين تنبري صاحبة أعذب صوت بين الفتيات فتغني الأغاني القروية منطلقا معها صوت المجوز أو صوت الشبابة باللحن نفسه . وتبلغ العذوبة ذروتها حين تتولى ذلك لا فتاة واحدة بل فتاتان ينبعث صوتاهما معا بغناء واحد . . . المطاحن في تلك الأيام لم تكن المطاحن الآلية معروفة وكانت المطاحن المدارة بالماء هي التي تتولى طحن القمح . والماء الذي يمكن أن يدير المطاحن لم يكن قريبا من معظم القرى . وكان أقرب ماء إلينا في شقرا هو ماء وادي الحجير الذي تفور ينابيعه أيام الشتاء دفاقة غزيرة ، وتظل كافية طيلة فصل الربيع بعد أن تكون قد بدأت تغور يوما بعد يوم ( 1 ) وبعد نضوب الحجير يبعد أصحاب القمح بقمحهم من وادي الحجير إلى مطاحن الليطاني التي تظل تدور على مدار السنة . لذلك كان ( للطحن ) شيء من الأهمية تقتضي التهيؤ له وإعداد ( الدواب ) ، وكان الأمر عبارة عن رحلة إلى وادي الحجير يقضي فيها الذاهبون ليلة خارج قريتهم ، ويؤلفون موكبا مؤلفا من عدة حمير ربما التقى سائقوها على موعد وربما على غير موعد . وكان في الحجير عدة مطاحن تحمل كل مطحنة اسما معينا متداولا على أوسع نطاق في أوساط القرية ، إذ ما من بيت إلا وله في واحدة من هذه المطاحن المنتشرة في الوادي الجميل نصيب . وعودة موكب ( الطحين ) له في البيت لا سيما عند صغاره شيء من البهجة ، إذ أن العائدين يحملون معهم إلى البيت نوعا من الأرغفة لا يصنع إلا هناك ، يطلق عليه اسم ( المشاطيح ) واحدها ( مشطاح ) . وهي من الخبز السميك غير المألوف في القرية التي لا تعرف إلا الخبز الرقيق ( المرقوق ) المخبوز على ( الصاج ) . وقد لا تكون ( المشاطيح ) أفضل من ( المرقوق ) ولكنه طلب التنوع ، والرغبة في غير المألوف . وخبز القرية نوعان : الأعم الأغلب وهو ما يصنع في البيوت حيث ( يرق ) العجين ويمدد على الأكف النسائية بحركات سريعة متعاقبة ، ثم يطرح على ( الكارة ) ، وهي غلاف مدور على سعة الرغيف ، من نسيج ، محشو بقطع النسيج . ومن ( الكارة ) يطرح على ( الصاج ) المحمي بالنيران الموقدة تحته

--> ( 1 ) الحجير بلفظ تصغير حجر : واد طويل عميق مبدؤه من آخر وادي السلوقي ومنتهاه نهر الليطاني قرب قرية القاقعية يخرج فيه إذا كثر المطر نبع ماء من جانب حجر كبير - ولعله ينسب إليه - من الحول إلى الحول ، وقد يجف أو لا يخرج من قلة المطر ، عليه أرحية كثيرة ( خطط جبل عامل ) .